من السهل أن تبيع أصلًا، ومن السهل أن تعرض عقارًا للاستثمار، ومن السهل كذلك أن تتخلص من مركبات لم تعد ترغب في الاحتفاظ بها.
لكن السؤال الأصعب هو: ماذا صنعت الإدارة بهذه الأصول قبل أن تصل إلى قرار البيع أو التأجير؟
هذا السؤال بات مشروعًا أمام المشهد الذي تقدمه جمعية الصفا الخيرية في صفوى، خصوصًا مع تتابع إعلانات تتعلق بأصول وممتلكات الجمعية؛ فمن مزايدة لبيع أربع حافلات «كوستر»، إلى طرح روضة الورود للتأجير، وصولًا إلى نماذج سابقة تضمنت عرض أرض تابعة للجمعية في حي الربوة للبيع بالمزايدة، إلى جانب طرح أرض أجيال، المكوّنة من أربع أراضٍ بمساحة إجمالية تتجاوز 12 ألف متر مربع، للاستثمار طويل الأجل.
بيع الأصل ليس خطأً في ذاته، وتأجيره ليس دليلًا على سوء الإدارة، بل قد يكون القرار الأكثر كفاءة إذا سبقه تقييم مالي واستثماري مهني يثبت أن الاحتفاظ به أقل جدوى.
لكن عندما تتكرر عمليات التصرف في الأصول، فمن حق المجتمع أن يسأل عن الرؤية التي تقف خلفها.
هل أمامنا خطة متكاملة لإعادة هيكلة محفظة أصول الجمعية؟
ما العائد المتوقع من كل أصل قبل طرحه؟
وما البدائل التي درستها الإدارة؟
وهل هناك خطة لإحلال أصول استثمارية أكثر إنتاجية محل الأصول التي يجري بيعها؟
وأين ستذهب حصيلة البيع؟
هذه ليست أسئلة تشكيك، بل هي جوهر الحوكمة التي ينبغي أن تحضر بقوة في مؤسسة أهلية بنت جزءًا كبيرًا من مقدراتها عبر عقود من دعم المجتمع وتبرعات المحسنين.
الأصل في المؤسسة غير الربحية ليس مجرد أرض أو سيارة أو مبنى يظهر رقمه في قائمة الموجودات؛ إنه رأس مال مجتمعي تراكم عبر السنين، ولهذا ينبغي أن يكون التفكير الأول في كيفية تعظيم قيمته واستدامة عائده، لا مجرد كيفية التصرف فيه.
والفارق كبير بين مجلس يقول: «لدينا أصل، فلنبيعه»، ومجلس يسأل: «كيف نجعل هذا الأصل يولّد دخلًا مستدامًا للجمعية لعشرين عامًا مقبلة؟».
بل إن المفارقة أن جمعية الصفا تضع ضمن أهدافها المعلنة الوصول إلى التمويل الذاتي واستثمار مقدراتها بالطرق المتاحة والمختلفة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
أين المشروعات الاستثمارية الجديدة التي تقابل الأصول التي يجري التصرف فيها؟
إذا بيعت حافلات لأنها أصبحت عبئًا تشغيليًا، فهذا مفهوم، ولكن ينبغي بيان المبرر الاقتصادي.
وإذا أُجّرت روضة لأن تشغيلها مباشرة لم يعد مجديًا، فقد يكون ذلك قرارًا استثماريًا جيدًا، ولكن ينبغي أن نعرف كيف سيحقق التأجير قيمة أكبر للجمعية.
وإذا بيع عقار، فإن السؤال الأكبر يصبح: ماذا ستفعل الجمعية بثمنه؟ هل سيذهب إلى أصل آخر يحقق عائدًا أفضل، أم يتحول أصل دائم إلى سيولة تُستهلك مع الوقت؟
الإدارة الناجحة لا تُقاس بقدرتها على تحويل الممتلكات إلى نقد، وإنما بقدرتها على تحويل الممتلكات إلى موارد مستدامة.
كان المنتظر من مجلس إدارة جمعية بحجم وتاريخ جمعية الصفا أن يقدم للمجتمع رؤية استثمارية واضحة: محفظة عقارية، أوقافًا، مشاريع مدرة للدخل، شراكات مع القطاع الخاص، تطويرًا للأصول القائمة، ودراسات جدوى منشورة تشرح لماذا نحتفظ بهذا الأصل، ولماذا نستثمر ذاك، ولماذا نبيع الثالث.
أما أن يرى المجتمع إعلانًا للبيع هنا، ومزايدة هناك، وأصلًا آخر مطروحًا للاستثمار، من دون أن تصاحب ذلك — في الخطاب العام المنشور — صورة واضحة ومتكاملة لما ستكون عليه أصول الجمعية بعد خمس أو عشر سنوات، فمن الطبيعي أن يولد ذلك التساؤلات.
نحن لا نحتاج إلى مجلس إدارة يجيد إدارة المزاد بقدر حاجتنا إلى مجلس يجيد إدارة الاستثمار.
ولا نريد أن يأتي يوم ننظر فيه إلى تاريخ الجمعية فنكتشف أن أجيالًا سابقة بنت الأصول، ثم جاءت أجيال لاحقة وكان أبرز ما فعلته هو إعادة توزيعها أو بيع بعضها.
جمعية الصفا ليست شركة متعثرة تبحث عن تصفية موجوداتها، بل مؤسسة مجتمعية عريقة يفترض أن تفكر بعقلية الاستدامة: كيف نحافظ على الأصل؟ كيف نضاعف قيمته؟ كيف نجعله يمول العمل الخيري بدل أن يكون العمل الخيري سببًا في استنزافه؟
ولذلك، فإن المطلوب من مجلس الإدارة ليس الدفاع عن كل قرار بيع أو تأجير على حدة، بل تقديم الصورة الكبرى لأهالي صفوى:
كم تبلغ أصول الجمعية اليوم؟
ما الذي بيع منها خلال السنوات الماضية؟
كم بلغت عوائد البيع؟
وأين أعيد استثمار تلك الأموال؟
وما العائد السنوي الحالي للمحفظة الاستثمارية؟
وما خطة المجلس لتنمية أصول الجمعية حتى نهاية دورته؟
عندها فقط يستطيع المجتمع أن يحكم بعدالة.
فقد تكون القرارات الحالية جزءًا من تحول استثماري مدروس، وعندها يستحق المجلس الإشادة.
وقد تكون مجرد حلول متفرقة للتعامل مع الأصول، وعندها ينبغي مراجعة النهج قبل أن تصبح عبارة «للبيع بالمزايدة» أسهل من عبارة «لدينا مشروع استثماري جديد».
الأصول التي بناها المجتمع ليست أرقامًا صامتة في دفاتر الجمعية؛ إنها أمانة انتقلت من جيل إلى جيل.
ومن يستلم الأمانة، مسؤوليته أن يسلّمها لمن بعده أكثر نموًا وقيمةً وأثرًا… لا أقل.