في العمل الاجتماعي، ثمة أسماء تمر على المناصب، وأسماء تمر المناصب من خلالها، ثم تبقى هي في ذاكرة المكان.
والمهندس هاشم علوي الشرفا «أبو رمزي» واحد من أولئك الذين يصعب اختصار حضورهم في مسمى «رئيس مجلس إدارة»، لأن الحكاية أقدم من المنصب، وأوسع من جمعية، وأعمق من صورة في مناسبة أو كلمة على منصة.
إنها حكاية رجل اختار منذ سنوات أن يكون قريبًا من المجتمع، وأن يمنح جزءًا كبيرًا من وقته وجهده للعمل التطوعي والاجتماعي.
في صفوى، يعرف كثيرون «أبو رمزي» من ميادين مختلفة؛ في المبادرات، والبرامج الاجتماعية، والمناسبات، وفي دعم المتطوعين والشباب، وفي المجالس والاجتماعات التي تبحث عما يمكن تقديمه للمدينة وأهلها.
وربما يكون أجمل ما في مسيرته أنها لم تُبنَ على فكرة «ماذا سأحصل؟»، بل على سؤال ظل حاضرًا فيها: «ماذا نستطيع أن نقدم؟».
من التطوع إلى صناعة التنمية: هناك فارق بين أن تشارك في عمل تطوعي، وبين أن تؤمن بالتطوع باعتباره وسيلة لصناعة المجتمع.
والشرفا، عبر حضوره الممتد، كان أقرب إلى النموذج الثاني.
فحتى خارج المؤسسة التي يرأسها، نجده حاضرًا في نشر ثقافة التطوع والحديث عن قيمه وشروط نجاحه؛ من الحاجة المجتمعية الحقيقية، إلى قياس الأثر على المستفيد، مرورًا بقيم الصبر والإخلاص والتعاون والأمانة والمبادرة والإبداع.
ومع الوقت، انتقلت التجربة من ممارسة العمل الاجتماعي إلى قيادته وصناعة بيئته.
واليوم، وهو على رأس مجلس إدارة جمعية التنمية الأهلية بصفوى، لا تبدو الجمعية في خطابها ومشروعاتها مجرد جهة تنظم فعاليات موسمية، بل تحاول الانتقال إلى مفهوم أوسع للتنمية؛ صناعة المبادرات، وتمكين الشباب، واحتضان المتطوعين، وبناء الشراكات، والبحث عن الاستدامة.
ومن أبرز النماذج التي ارتبطت بهذه المرحلة برنامج «أحدث فرقًا»؛ المشروع الذي فتح مساحة للشباب والأفكار والمبادرات كي تتحول من تصورات على الورق إلى تجارب تقف أمام المجتمع.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يصف الشرفا نفسه «أحدث فرقًا» بأنه أيقونة الجمعية.
فالمشروع في جوهره يلخص فلسفة جميلة: لا تجعل الشاب متلقيًا للتنمية، بل اجعله شريكًا في صناعتها.
1700 متطوع.. الرقم الذي يحكي قصة: حين نتحدث عن عمل اجتماعي يشارك في برامجه ومبادراته نحو 1700 متطوع ومتعاون، فنحن لا نتحدث عن رقم عابر.
خلف الرقم شباب وشابات، وساعات من العطاء، وتجارب، وأفكار، وعلاقات اجتماعية، وأشخاص ربما كانت بوابتهم الأولى إلى العمل المجتمعي من خلال أحد تلك البرامج.
وفي العمل غير الربحي، قد يكون بناء الإنسان أهم من بناء المنشأة.
فالبرنامج ينتهي، والفعالية تُطوى لوحاتها، لكن المتطوع الذي اكتسب الثقة والخبرة ثم انتقل ليقود مبادرة أخرى هو أثر يبقى ويتكاثر.
وهنا تحديدًا يمكن قراءة جزء مهم من مسيرة أبي رمزي.
يفكر في اليوم.. وما بعده: ولأن العمل الاجتماعي لا يعيش بالنوايا الحسنة وحدها، فإن أحد أكبر تحديات المؤسسات غير الربحية هو الاستدامة.
وفي المرحلة التي يقود فيها الشرفا جمعية التنمية الأهلية بصفوى، برزت خطوة مهمة تمثلت في حصول الجمعية على منحة أراضٍ استثمارية في موقع حيوي بمدينة صفوى، بقيمة تقديرية تبلغ نحو ثمانية ملايين ريال، لتكون أساسًا لمقر دائم ومستدام للجمعية.
ثمانية ملايين ليست هي القصة: القصة أن المؤسسة الاجتماعية حين تفكر في الأصل والاستثمار والاستدامة، فإنها تقول للأجيال القادمة: نحن لا نريد أن نقدم لكم برنامجًا اليوم فقط، بل نريد أن نترك لكم مؤسسة تستطيع أن تستمر غدًا.
وهذا هو الفارق بين إدارة النشاط وإدارة المستقبل: رجل لا يرى الخير حكرًا على مؤسسته: ومن المواقف التي تستحق الوقوف عندها أن الشرفا، رغم رئاسته لجمعية التنمية الأهلية بصفوى، تحدث عن جمعية الصفا الخيرية بكلمات وفاء واضحة، واصفًا إياها بالمؤسسة العريقة الضاربة بجذورها في تاريخ البلدة، بل وبـ«أم المؤسسات غير الربحية» فيها، داعيًا المجتمع إلى دعمها والانخراط في العمل الإداري والتطوعي معها.
قد تبدو كلمات بسيطة، لكنها تكشف عن معنى مهم في العمل الاجتماعي:
من يعمل للمجتمع فعلًا، لا يتعامل مع المؤسسات الأخرى باعتبارها منافسين.
فالغاية ليست أن تنتصر جمعيتي على جمعيتك، ولا أن يظهر اسمي أكثر من اسمك؛ الغاية أن تكسب صفوى، وأن يكسب الإنسان.
الأسرة خلف أبي رمزي: وعندما كُرّم الشرفا تقديرًا لمسيرته وعطائه المجتمعي، جاءت منه عبارة ربما تختصر جانبًا إنسانيًا كاملًا من هذه الرحلة، حين أشار إلى أن أسرته هي الدافع الأول لاستمراره في العمل التطوعي طوال هذه الفترة.
خلف كل شخص يمنح المجتمع ساعات طويلة من حياته عائلة تشاركه، بصورة أو بأخرى، ثمن هذا العطاء.
وقت كان يمكن أن يكون للأسرة، ومساءات واجتماعات واتصالات ومناسبات والتزامات لا يراها الناس.
لذلك حين يُكرّم أبو رمزي، فشيء من ذلك التكريم يذهب أيضًا إلى الأسرة التي تفهمت أن جزءًا من وقت رجلها أصبح ملكًا للمجتمع.
أبو رمزي.. الأثر قبل الاسم: ليس المقصود من هذه الكلمات صناعة صورة مثالية لإنسان؛ فكل تجربة بشرية لها نجاحاتها وإخفاقاتها، وكل مسؤول يعمل في المجال العام من حق المجتمع أن يناقشه وينتقده ويحاسبه.
لكن الإنصاف أيضًا قيمة.
ومن الإنصاف أن نقول لمن أمضى سنوات من عمره في العمل الاجتماعي: شكرًا.
شكرًا لكل اجتماع طال.
ولكل مبادرة بدأت بفكرة صغيرة ثم رأت النور.
ولكل شاب أو شابة وجد مساحة ليجرب.
ولكل متطوع شعر أن جهده مقدّر.
ولكل باب طُرق من أجل مشروع يخدم المدينة.
ولكل ساعة أُخذت من الوقت الشخصي وأُعطيت لصفوى.
قد تتغير مجالس الإدارات، وتنتهي الدورات، وتتبدل المسميات، ويأتي بعد كل رئيس رئيس آخر؛ وهذه سنة المؤسسات.
لكن الذي لا تنهيه دورة مجلس إدارة هو الأثر: وإذا كان أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو أثر يدل عليه، فإن مسيرة المهندس هاشم الشرفا تقول إن «أبو رمزي» لم يبحث فقط عن مكان له في مؤسسات صفوى الاجتماعية…
بل اختار أن يكون له أثر في إنسانه.