Skip to Content
icon Amjad Alqwaeen
15 أغسطس 2026

author

في مرة من المرات، خططت لرحلة بكل تفاصيلها. الفندق، المطاعم، الأماكن، حتى الملابس اللي بلبسها في كل يوم بالتحديد، وكأني أستعد لعرض أزياء لا لإجازة. بحثت وقرأت وشفت فيديوهات وراجعت تقييمات وتخيلت اللحظات حتى كنت أعرف كيف ستكون الرحلة قبل ما أحزم شنطتي بأسبوعين. ثم وصلت. وكانت التجربة جيدة، لكن في شيء ناقص ما أعرف وينه. لم يكن المكان، ولم يكن الطقس، كان الإحساس إني عشت هذا من قبل، وكأني جيت فقط لأسدد فاتورة رحلة استهلكتها ذهنياً وأنا في البيت بالبيجامة.

اللي يصير حين تفكر في شيء بتفصيل مفرط هو إن عقلك، ذلك الجهاز الذكي الذي لا يفرق أحياناً بين ما حدث فعلاً وما تخيلت إنه سيحدث، يبدأ يتعامل مع التجربة وكأنه عاش جزءاً منها. تتخيل الحوارات، وتتوقع المشاعر، وتعيش النتائج ذهنياً قبل ما تعيشها بالواقع، فيجي يوم التجربة الحقيقية وأنت شبه مشبع. وكأنك أكلت وجبة كاملة في خيالك، ثم جلست على طاولة المطعم وطلبت نفس الوجبة وتعجبت لماذا ما عندك جوع. المشكلة مو في الأكل، المشكلة إنك أكلت مرتين والمرة الثانية دفعت فلوس.

وهذا ما يصير مو بس مع الرحلات، يصير في الأمور العاطفية بشكل أكثر إيلاماً وأقل رحمة. تفكر في شخص أو علاقة بكثرة وتتخيل الحوارات وتسبق الأحداث وتتوقع كيف ستشعر في كل موقف محتمل حتى المواقف اللي ما صارت ولا من المحتمل تصير أصلاً، مثل إنك تتخيل الخلاف قبل ما تبدأ العلاقة وتتوصل لحلول للمشاكل اللي ما وُجدت بعد وتعيش كل مراحل العلاقة وهي لسى فكرة. وفي النهاية حين تجي اللحظة الحقيقية، تجلس مع الشخص وتحس إنك شفته من قبل في مكان ما. وأنت شفته فعلاً، في رأسك، ألف مرة، في سيناريوهات متعددة بمؤثرات صوتية وإضاءة درامية.

والمضحك إننا نسمي هذا "تفكيراً عميقاً" و"استعداداً" و"حكمة وتأني". نقول لأنفسنا بكل ثقة "أنا فقط أحاول أكون واقعياً"، بينما اللي نسويه فعلاً هو إننا نكتب القصة كاملة قبل ما تحدث، ثم نتعجب لماذا لا تشبه ما كتبنا، وكأن التجربة الحقيقية هي المذنبة لأنها ما التزمت بالسكريبت الذي كتبناه لها بعناية. نحن لا نستعد للتجربة، نحن نستبدلها بنسخة ذهنية وهمية ثم نقدم شكوى رسمية حين تختلف الأصلية عن النسخة.

وأحياناً يروح التفكير المفرط لمكان أخطر: يحول الشيء البسيط الجميل إلى قضية تحتاج لجنة تحقيق. شيء كان واضحاً وجميلاً يتحول بعد أيام من التحليل الممنهج إلى "هل فعلاً أبغاه؟" و"هل بيكون مثل ما أتوقع؟" و"ماذا لو تغيرت مشاعري لاحقاً؟". وكل سؤال يولّد سؤالاً ثانياً حتى تجد نفسك في محكمة داخلية تعقد جلسات يومية لمحاكمة شعور ما أذى أحداً، وأنت المدعي العام والقاضي والمتهم في نفس الوقت، وكل الأدلة المقدمة افتراضية.

وهنا فرق جوهري ما نلتفت له: هناك فرق بين "ما عدت أريده" وبين "أرهقت شعوري بالتحليل حتى ما عاد يستطيع يتنفس". الأول قرار، والثاني إعياء. والفرق بينهما مثل الفرق بين من لا يجوع لأنه شبعان، ومن لا يجوع لأنه أكل في خياله طوال اليوم ثم تعجب لماذا المعدة ما تطلب طعاماً. المشاعر بطبيعتها تهدأ مع الوقت وتتحول من اندفاع صاخب إلى شيء أكثر استقراراً وأقل ضجيجاً، وهذا الهدوء ليس موتاً للشعور بل نضجه. لكننا لما نقيس كل شيء بمقياس الاندفاع الأول نحكم على الهادئ إنه انتهى، لأنه ما عاد يصرخ بنفس الحماس الأول.

أفضل اختبار لما تشك هل الشغف مات أو مجرد أُرهق: توقف عن التفكير المتعمد عدة أيام. ولا تسأل نفسك كل صباح "هل ما زلت أبغاه؟" لأن هذا السؤال المتكرر هو بحد ذاته جزء من المشكلة، مثل من يفتح الفرن كل دقيقة ليتأكد إن الكيكة تخبز ثم يتعجب لماذا ما نضجت. ثم لاحظ حين يهدأ الذهن فعلاً من غير ما تجبره على الهدوء: هل ما زلت تريده؟ هذا السؤال في لحظة الصمت الحقيقي أصدق من ألف تحليل كتبته في أوج القلق.

الشغف لا يعيش في الضجيج، يعيش في المساحة. وأجمل ما في الحياة صنعه ناس ما فكروا فيه كثيراً قبل ما يبدأوه. ونحن نقتل أحلامنا بالتفكير فيها، ونقتل مشاعرنا بتحليلها، ونقتل اللحظات بتوقعها. ثم نجلس نتساءل لماذا كل شيء "أقل مما كنا نتوقع". لأنك يا صاحبي عشتها قبل ما تصير، وما بقي منها إلا الفاتورة. "قوم ادفع!".