
يرن هاتف الجوال الموضوع على الطاولة:
يظهر اسم المتصل: "منتصر حارس العمارة".
يرن مرة، مرتين، ثلاثًا.
ظل الهاتف يرن و يهتز فوق الطاولة الخشبية، بينما كان راشد مستلقياً على السرير، يتصبب عرقا، أشعث الرأس واللحية، يرتدي ثوبا أبيض، يتنفس بصعوبة، ينظر إلى السقف بعينين ذاهلتين، يكتفي بسماع رنين الإتصالات والإشعارات، وكأنها لم تعد تعنيه.

تتوالى المكالمات، في كل مرة يظهر فيها اسم المتصل، ويتتابع ظهور نص الرسائل في الموجز على الشاشة.
انطفأت الشاشة.
ثم أضاءت مجددا.
رسالة نصية عبر الواتس، المرسل أختي منيرة:
" راشد لا تنسى تمر الوالدة ، ترا زعلانة منك"
رسالة sms:
عرض خاص اشتر بقيمة ٥٠٠ ريال من متاجرنا واحصل على قسيمة شراء ١٠٠ ريال مجاناً.

مكالمة، اسم المتصل "الغثيث".
يرن الى ان يتوقف الرنين، ثم يعاود الاتصال.
هذا تحديدا، كان راشد قد اعتاد على اتصالاته التي لا تتوقف ليل نهار ، لذا حفظ اسمه باسم "الغثيث" ، لأنه كان يطالبه باستمرار بسداد المبالغ التي اقترضها منه، ولم يسدد منها إلا جزءًا يسيرًا.

رسالة sms البنك:
عزيزي العميل، بخصوص طلب التمويل تمت الموافقة على منح التمويل، نرجو مراجعة اقرب فرع للبنك، لإتمام الإجراءات.
هذا تمويل قدم راشد الطلب عليه في وقت سابق، كان يعقد عليه آمالا كبيرة ، يسدد به ديونه، ويبدأ به مشروع تجاري كان يخطط له، و يدفع تكاليف زواجه الثالث، فقد انفصل في المرتين السابقتين بسبب مشاكل في الإنجاب، لكن للأسف التمويل جاء متأخرا جداً، فراشد يحتضر وحيداً على سرير الموت، في فندق قديم وسط المدينة.

فمنذ أسابيع بدأ الألم ينهش جسده بسرعة مخيفة، فأدرك أن الوقت لم يعد طويلاً، حتى أنه لم يمهله ليبلغ أمه وأخواته بما ألم به من مرض، ففضل أن يموت بهدوء في هذا الفندق المنزوي.
رسالة واتس أب، المرسل أختي أم ناصر:
"راشد لا تنسى ارجوك تحضر عرس خالد ولد عمك الخميس، ترا عيب لازم تحضر انت اكبرنا ولازم توجب مع الناس ، يكفي عرس اخوه الي قبل شهرين ما حضرت ولا باركت . ارجوك راشد لا تفشلنا."

رسالة واتس أب المرسل ابوفهد:
راشد احمد خوينا استأجر الاستراحة،نبغ نخلي العزيمة مفاجأة لخوينا ابو مرام".
رسالة sms:
خزاناتنا ضد الصدأ، والتسريب، ضمان، وجودة، وسعر مناسب.
رسالة واتس أب، المرسل" حبيبة خالها":
خالو بارك لي نجحت، لا تنسى الهدية .

مكالمة، اسم المتصل "سعد زميل الدوام".
يتحامل راشد على نفسه، وهو يتصبب عرقًا، فيجلس متكئًا على طرف السرير بيد، ويضع الأخرى على أسفل ظهره، ثم ينهض ببطء ويسير منحنياً بخطوات مثقلة حتى يصل بالكاد إلى الأريكة، فيلقي بجسده المنهك عليها.

يظل على حاله لساعات، الى أن تُفضي روحه، ويموت بهدوء.
في اليوم التالي مساءً تُشاهد سيارة اسعاف بجانبها سيارة شرطة، أمام بوابة الفندق، وحولهما يقف بعض المارة، ويخرج اثنان من الفندق يحملان جثة راشد على سرير الإسعاف.
قامت إدارة الفندق بجمع متعلقات راشد الشخصية كلها في حقيبته الصغيرة، ليتم تسليمها لأهله لاحقا، كان من ضمنها بالطبع جواله، الذي لا زال يستقبل المكالمات والرسائل.
مكالمة، اسم المتصل "يوسف أرض مخطط المروج".
رسالة sms:
تمتع بباقة إنترنت لا محدود والدخول على سحب سيارة وجوائز أخرى قيمة.