Skip to Content
icon Zahraa Hussein Al-Qasla
07 سبتمبر 2026

author

القلب الذي يفقد شيئًا، كثيرًا ما يُدهشنا حين يعيده للحياة بصورةٍ أنضج وأعمق مما فقده.
وفي عالم التربية، تتردّد عبارة مألوفة:
“لا أستطيع أن أقدّم هذا لابني، لأنني لم أحصل عليه في طفولتي.”

لكن الحقيقة أن من افتقد الاحتواء يستطيع أن يمنحه، ومن لم يسمع كلمة طيبة قادر على قولها، ومن عاش نقصًا يمكنه أن يملأه في حياة غيره إذا امتلك العزم والإصرار.

التربية ليست تكرارًا للماضي… بل إصلاحًا له:
المربي الواعي لا يسمح لماضيه أن يقيّد حاضره، ولا يجعل تجاربه القديمة تتحكم في خياراته اليوم.
فالتربية ليست نقلًا آليًا لما عشناه، بل هي اختيار يوميّ لصنع بيئة آمنة، دافئة، مليئة بالمودة والرحمة.

من فقد شيئًا في طفولته قد يصبح أكثر قدرة على تقديمه؛ لأنه يعرف قيمة الكلمة التي تُنقذ الروح، ويُدرك أثر الحضن الذي يرمّم، ويعي كيف يمكن للطف أن يغيّر مسار يومٍ كامل.

الاحتواء… أساس يبني ولا يُدلّل:
الاحتواء ليس تدليلًا ولا تنازلًا، بل هو قوة قلبٍ يفهم ما وراء السلوك.
هو أن ترى الطفل بعينٍ لا تحكم قبل أن تتحقق، ولا تظلم قبل أن تسمع، ولا تبني قرارًا على ما يُقال، بل على ما يُرى ويُفهم ويُختبر.

فالظلم في التربية قد يبدأ بكلمة عابرة يقولها أحدهم:
“ابنك عنيد… ابنك لا يسمع الكلام… ابنك مشاغب…”

لكن المربي الحكيم لا يصدّق كل ما يسمعه، بل ينظر ويتأمل ويتحقق ثم يحكم.
لأن الحكم دون تحقق… ظلم،
والظلم في التربية يجرح أكثر مما يداوي، ويُنشئ جيلاً يحاول ترميم جروحه بدل أن ينطلق بثقة.

الحب والاحتواء يصنعان طفلاً واثقًا سويًا بإذن الله، شرط أن يكون كل شيء باعتدال وعدل.

نحن لسنا نسخة من الماضي… بل مشروع إصلاحٍ للحاضر:
التربية ليست ما ورثناه، بل ما اخترنا أن نكونه.
ومن فقد شيئًا يستطيع أن يعطيه بأجمل مما فقده، إذا امتلك قلبًا يحتضن، وعقلًا يفهم، وروحًا تريد الإصلاح.

وهذا لا يعني أن تربية أهلنا كانت غير جيدة؛
فنحن في كثير من الأحيان ترجمة لشخصيات والدينا، كما أن أبناءنا سيكونون ترجمة لسلوكنا معهم.
ان الماضي لا يفرض علينا التربية، بل يعلّمنا كيف نُحسّنها و نتعلم من التجارب و نُطورها.