Skip to Content
icon Zahraa Hussein Al-Qasla
13 سبتمبر 2026

author

كانت الحياة تمنح نوران بعض الدفء في كنف والدتها، وكأنها حصن يحميها من كل ما قد يكسرها، لكن القدر لم يمنحها هذا الأمان طويلًا.

في ليلة مظلمة، وبينما كانت تسير مع والدتها على الرصيف، انحرفت سيارة مسرعة عن مسارها، وصوت الفرامل لم يكن كافيًا لإنقاذ اللحظة...

سقط جسد والدتها أمامها، تاركة خلفها صمتًا خانقًا وطفلة في العاشرة من عمرها، لم تدرك أن تلك ستكون المرة الأخيرة التي تشعر فيها بدفء حضنها.

كانت تلك الحادثة نقطة تحول في حياتها، لم تكن مجرد حادث سير، بل كان بداية لحياة جديدة من الألم. كانت الأيام تضربها تباعًا، كلما حاولت الوقوف، انهالت عليها الضربات واحدة تلو الأخرى، كأنها عالقة في دوامة لا تنتهي.

بعد أشهر من رحيل والدتها، قرر والدها الزواج مجددًا، لكنه لم يختر امرأة تعوضها عن فقدانها، بل اختار من أرادت أن تعيش حياتها كزوجة فقط دون أن تتحمل مسؤولية أبناء زوجها.

لم تتقبل نوران، ولم تحبها يومًا، بل رأت فيها عائقًا، فبدأت تدبر المكائد، وتغرس الحقد في قلب الأب، محاولة أن تُخرجها من حياته.

لكنها لم تكن تعلم أن الله لا يترك المظلوم، وأن دعوة الصغيرة كانت تصعد إلى السماء كل ليلة.

وفي خضم كل تلك القسوة، لم تكن نوران وحيدة تمامًا... فقد كان هناك قلب آخر يحتضنها، يمنحها الدفء في عز البرد، ويعيد إليها الإحساس بأن هناك من يحبها بلا مقابل... جدتها.

كانت جدة نوران لوالدها الحضن الذي فقدته، اليد التي تُربّت على كتفها عندما تبكي، والصوت الذي يدعو لها قبل أن تنام. لم تكن مجرد جدة، كانت بقايا رائحة الأم، امتدادًا لحنانها، ظلها الذي بقي ليحميها بعد رحيلها.

لكن الدنيا، كما أخذت أمها، قررت أن تأخذ منها هذا الأمان أيضًا.

عندما بدأت الجدة تشعر بالإرهاق والتعب، ظنت نوران أنها وعكة عابرة، لكن الأطباء لم يتركوا مجالًا للأمل... سرطان الدم كان قد تسلل إليها بصمت، ينهش صحتها دون رحمة.

رأت نوران جدتها تذبل يومًا بعد يوم، تحاول أن تبقى قوية لأجلها، تبتسم رغم الألم، تحكي لها القصص بصوت متعب، تمسح على رأسها رغم وهن يديها.

كانت نوران تتشبث بها وكأنها آخر خيط يربطها بالحياة، لكن الوقت لم يترك لها ذلك الخيار.

وفي مغتسل الموتى، حيث تُغسل الأجساد استعدادًا لوداعها الأخير، وقفت نوران متجمدة، نفس المشهد يتكرر أمامها...

قبل سنوات، كانت يدها الصغيرة تمسك بثوب والدتها بينما يُسكب الماء عليها، واليوم، هي تمسك بثوب جدتها، لكنها ليست مستعدة للوداع مجددًا.

انحنت، قبلت جبين جدتها، وشهقت وهي تهمس:

”كنتِ لي رائحة أمي... والآن رحلتِ بها.“

خرجت نوران من المغتسل، حملت حزنها ومضت...

لكنها أدركت أن الحب لا يموت، وأن الأرواح الطيبة لا ترحل حقًا، بل تبقى في الذكريات، في الدروس التي علمتها لها، وفي القوة التي زرعتها في قلبها.

ربما خسرت نوران حضن أمها وجدتها، لكنهما تركتا لها ما هو أهم... نورًا لا ينطفئ في داخلها، يعلمها أن الألم قد يكون بابًا للقوة، وأن الله لا يترك قلبًا ينكسر دون أن يجبره.